مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

لوجه الله

 الصوم بريء من الانفعالات وسوء الأخلاق

 

من العبث تبرير سلوكياتنا الخاطئة وانفعالاتنا وسوء تعاملنا مع الآخرين بالصوم.. فالصوم أراده الله عبادة تستهدف دائما - بعد طاعته- تربية الانسان على الصبر وقوة التحمل وحسن الخلق.. الصوم يربي الانسان على الفضائل، ويواجه التجاوزات السلوكية، وليس كما يدعى البعض ممن يبررون انفعالاتهم وسوء سلوكهم بالصوم.
أقول هذا بعد أن قرأت ما تردد من تبريرات لجريمة العدوان على فرد أمن داخل أحد المجمعات السكنية فى اليوم الأول من الشهر الفضيل وتبرير  ذلك بالصوم!!
ما ينبغي أن ندركه جميعا أن العبادات في الاسلام مناهج للتربية، تصحح العقيدة وتطهر الاخلاق، وتقوم السلوك،  والإنسان الذى يصوم ويصلى ويتقرب الى خالقه بالزكوات والصدقات فى رمضان يجمع بين حسن الخلق وحسن العباده، لأن كل ما يتقرب به الى الله يضبط سلوكه ويصرفه عن كل سلوك خارج عن  حدود الأدب والأخلاق.. ولعل هذا ما يبرر انخفاض معدل الجرائم فى رمضان.
لذلك.. لا ينبعى أبدا أن نبرر انفعالاتنا وسوء سلوكنا بالصوم، فتلك العبادة بآدابها وأخلاقياتها منهج عظيم للتربية ترتكز على الاخلاص والخشية من الله.. عبادة  تضبط السلوك وتحسن الاخلاق، وتبتعد بالإنسان  عن الرياء، فهى سر بين العبد وربه، ولا يطلع عليها الا علام الغيوب.. عبادة تترفع بالانسان عن كل سلوك منفلت، وتجعل الانسان يمتلك إرادة قوية تواجه مصاعب الحياة، وتمنحه صفاء العقل ونور البصيرة.
والصيام بهذا المعني الراقي عبادة تجلب السعادة للانسان رغم ما فيه من حرمان من الشهوات ومطالب الجسد، فقد جعل الحق سبحانه هدف هذه العبادة (التقوي) فقال :" يا ايها الذين امنوا كتب عليكم الصيام كما كتب علي الذين من قبلكم لعلكم تتقون" والتقوي هي جماع كل الفضائل، وهي التي تجلب للانسان الطمانينة والاستقرار والسعادة.
والصائم الملتزم بآداب وأخلاقيات الصيام راق في سلوكه متحضر في تصرفاته، إنسان راق في كل ما يصدر عنه من أقوال وأفعال، وذلك لأن خالقه الذي فرض عليه الصوم ورسوله الذي بعثه الله لهدايته الى كل الفضائل ومكارم الاخلاق يغرسان فيه هذا السلوك الحضاري، يقول عليه الصلاة والسلام:" اذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله  ـ وفي رواية شاتمه ـ فليقل اني امرؤ صائم" وفي تعبير جامع يؤكد الرسول صلي الله عليه وسلم أن التزام حسن الخلق هو الغاية القصوي للصوم فيقول :" من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه: فقول الزور والعمل به يعني المعاصي كلها، وترك ذلك يعني الحرص على الطاعات والتعامل مع كل خلق الله برقى وتحضر ومنح كل ذى حق حقه.
****
لم يفرض الله علينا الصوم لكى نتوتر وننفعل ونسيئ الى خلق الله.. بل فرض علينا الصوم لغرس الاخلاص والتقوي في القلوب، فالصائم الحق لا يقصد بصيامه الا رضا خالقه عز وجل والطمع في ثوابه، والخوف من عقابه، ولذا ختمت أول آية تحدثت عن الصيام بقوله تعالي:" لعلكم تتقون".
الصوم يهذب الروح، ويساعد النفس على الاستقامة والصفاء، ويعين القلب على التطهر والنقاء..الصوم يربي الانسان على قوة الارادة، وصدق العزيمة، والتغلب على تحكم العادات في نفسه، وتحمل المشاق والمصاعب بصبر وجلد.
فما أحوجنا جميعا الى أخلاقيات الصوم وما يضفيه على نفوسنا من هدوء وتسامح ورحمة وعطف على الضعفاء والاحسان إليهم، والتعامل معهم برحمة، وتقديم كل مساعدة لهم.
حاجة الجسد الى الطعام والشراب فى ساعات الصيام - كما أكد كبار الأطباء- لا يمكن أن تدفع الانسان الى سلوك عنيف.. بل يكون الصوم مع كثير من الناس فرصة لإراحة الجسد من أعباء الطعام والشراب وفى ذلك كشف لأهداف عبادة الصوم الصحية والنفسية فهى عبادة ـ كما يقول الدكتور احمد الطيب شيخ الازهر ـ  تجلب لمن يؤديها بأدب وإخلاص كل الرضا والاستقرار النفسي، فقد أرضى الصائم بصيامه خالقه الذي فرض عليه الصوم، وحقق لنفسه فوائد ومكاسب عديدة، وأرضى كل المحيطين به بسلوك طيب فرضته عليه وألزمته به عبادة الصوم، وقادته هذه العبادة بما فيها من حرمان ومعاناة الى الشعور بحاجة المحرومين وبالتالي العطف عليهم والاحسان اليهم.
وهنا يتضح لنا.. والكلام للدكتور الطيب.. أن الصوم يضبط سلوك الإنسان ويفرض عليه التحكم في انفعالاته حتى لا يهدر أجر وثواب صومه، ولذلك ليس هناك ما يبرر انفعالات بعض الصائمين وتوترهم خلال ساعات الصوم، فالصيام يعلم الانسان الصبر ويقوي إرادته، ويربيه على الفضائل ومكارم الأخلاق، ويضفي على سلوكه المزيد من العفو والرحمة والتسامح ، كما يكبح شهواته ولذلك أطلق رسول الله صلي الله عليه وسلم نداءه الشهير للشباب :" يا معشر الشباب: من استطاع منكم الباءة ـ تكاليف الزواج وأعبائه ـ فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء".
****
وهنا ننبه الى أمر مهم يغفل عنه كثير من القادرين ماديا وهو أن شهر رمضان جعله الله ساحة للتسابق فى أعمال الخير ومساعدة الفقراء والعطف عليهم وليس التعالى عليهم والإساءة إليهم.. ولذلك ينتظر كثير من الذين أنعم الله عليهم بوفرة المال هذا الشهر الكريم لتقديم كل صور الدعم المادى والنفسى للضغفاء والبسطاء من الناس.. وما أعظم العطف على هؤلاء ومساعدتهم فى رمضان.
يجب على هؤلاء الذين أنعم الله عليهم بالمال الوفير أن يتسابقوا ليرضوا عنهم خالقهم بإدخال السعادة على الفقراء والمحرومين حيث يجب أن يتضاعف العطف  عليهم في رمضان، وشعور الاغنياء بحاجتهم ومعاناتهم من أبرز فوائد الصيام الاجتماعية فهو تذكير عملي بجوع الجائعين، وبؤس البائسين، تذكير بغير مواعظ وكلمات انشائية، تذكير يسمعه الصائم من داخله ويقوده الى اخراج ما عليه من زكاة، والمبادرة بالصدقة التطوعية والحرص على إطعام الجائعين، وإدخال السعادة على البائسين. 
فما أحوجنا جميعا الى تحقيق أهداف ومقاصد عبادة الصوم في نفوسنا جميعا.

                    [email protected]